منع المحامي من الترافع

منع المحامي من الترافع

منع المحامي من الترافع

✍️ القاضي/ محمد الطرس

المعلوم شرعًا وعقلًا وقانونًا أن تقدير الحقوق، وتكييف الوقائع، واستنباط الأحكام، أمورٌ بطبيعتها قابلة لاختلاف وجهات النظر والاجتهاد، ولذلك لم يُبنَ النظام القضائي على درجة واحدة، وإنما أُنشئت درجات قضائية عليا لمراقبة الأحكام موضوعًا وقانونًا، وتصويب ما قد يشوبها من خطأ في الفهم أو التطبيق.

بل إن المشرّع ذاته أقرّ – صراحة – بإمكانية وقوع الخطأ حتى من أعلى جهة قضائية، بدليل النص الوارد في قانون المرافعات الذي يجيز إعادة النظر في حكم بات بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. فإذا كان الخطأ واردًا بحق القاضي نفسه، وهو صاحب الولاية في الفصل، فكيف يُصار إلى القطع بأن خطأ المحامي في دفعه هو كيدية محضة تستوجب العقاب بالمنع من الترافع، وكأن الخطأ هنا جريمة عمدية لا تحتمل الجدل أو النقاش؟

أليس في ذلك تناقض ظاهر في المعايير؟
وبالعودة إلى ما ورد في التعميم الخاص بآلية تنفيذ المادة ذات الصلة، والذي جعل من معايير الدفع الكيدي أنه الدفع الذي «لا لبس في كيديته»، يثور تساؤل جوهري لا يمكن القفز عليه:
من الذي يملك سلطة الجزم بانتفاء اللبس؟
وكيف يُمنح قاضٍ ابتدائي القول الفصل في مسألة تقديرية بطبيعتها، بينما ذات المسألة قد تكون محل خلاف معتبر بين قضاة الدرجة نفسها، أو بين درجات التقاضي المختلفة؟

فإذا افترضنا – وهو افتراض واقعي – أن قاضيًا رأى في دفعٍ ما كيدية، بينما رآه قاضٍ آخر دفعًا مشروعًا أو اجتهادًا خاطئًا لا يرقى إلى سوء القصد، فأي الرأيين يُقدَّم؟

وإذا اختلفت دائرتان من دوائر المحكمة العليا ذاتها في توصيف الدفع نفسه، فأي اجتهاد يكون معيارًا للعقوبة؟

وهنا لا نتحدث عن فرضيات نظرية، بل عن واقع قضائي معلوم، إذ إن اختلاف التكييف والاجتهاد هو جوهر العمل القضائي ذاته.

ألا تقضي القاعدة الراسخة في القانون الدستوري والجنائي – ذات القيمة الدينية والإنسانية العالمية – بأن الشك يُفسَّر لمصلحة المتهم؟

فإذا كان هذا المبدأ يُعمل به في مضمار التجريم والعقاب، فكيف يُهدر حين يتعلق الأمر بمحامٍ يمارس حق الدفاع، ويُفترض فيه – أصلًا – أنه شريك في تحقيق العدالة لا خصم لها؟

بل إن تطبيق معيار «انتفاء اللبس» على هذا النحو يُفضي عمليًا إلى تفسير الشك ضد المحامي، لا لمصلحته، وهو ما يشكّل انقلابًا خطيرًا على أبسط ضمانات العدالة الإجرائية.

وإذا ما نقضت محكمة أعلى حكمًا لقاضٍ ثبت فيه قبول دعوى كيدية أو إجراء باطل، فهل يُمنع القاضي من ممارسة القضاء؟ أم يُعدّ ذلك خطأً مهنيًا مشروعًا في نطاق الاجتهاد القضائي؟

فلماذا يُعامل المحامي – وحده – بمعيار عقابي صارم، خارج هذه القواعد المستقرة، وبما يخلّ بمبدأ المساواة بين أطراف العدالة؟

إن النص المستحدث والتعميم المفسِّر له – والمضيف عليه أحكامًا لم ترد في صلبه – يفتحان بابًا واسعًا للفوضى الإجرائية، ويضعان المحامي في مواجهة مباشرة مع القاضي دون مظلة حماية قانونية واضحة، ويحوّلان حق الدفاع من ضمانة دستورية إلى مجازفة مهنية محفوفة بالعقوبة.

كما أن في ذلك مساسًا مباشرًا بحق التقاضي وحق الدفاع المكفولين دستوريًا، وإضعافًا لدور المحامي بوصفه ركنًا أصيلًا من أركان العدالة، لا تابعًا ولا خصمًا، ويُكرّس ازدواجية خطيرة في المعايير بين القاضي والمحامي، بما ينعكس سلبًا على ثقة المتقاضين في عدالة النظام القضائي برمّته.

إن الخصومة حق، والدفاع عنها واجب، ولا يجوز – قانونًا ولا منطقًا – منع المحامي من أداء واجبه إلا إذا ارتكب جرمًا ثابتًا بنص شرعي أو قانوني، وبضمانات المساءلة التأديبية المقررة، لا بإجراءات إدارية أو تعميمات توسّع نطاق العقوبة خارج إطار النص.

وإن في قواعد التعويض عن الدعوى الكيدية المنصوص عليها في قانون المرافعات، وفي النص الذي يجيز الحكم بالتعويض على المحامي الذي تعمد مباشرة إجراءات باطلة وقُضي ببطلانها، وكذلك في قواعد سلوكيات المهنة والمسؤولية التأديبية الواردة في قانون المحاماة ونظامه الأساسي، ما يكفي – لو فُعّلت – لضبط الممارسة المهنية، وردع التعسف، ومعالجة الانحراف دون المساس بجوهر حق الدفاع.

وإن الأجدى، والأوفق مع مقاصد العدالة، أن يُصار إلى تفعيل النصوص القائمة بدل استحداث قيود جديدة، ونشر الوعي القانوني بشأن قدسية رسالة القضاء ورسالة المحاماة، وآداب كلٍ منهما، وتعزيز مناخ الاحترام المتبادل بين جناحي العدالة، لا تعميق الفجوة بينهما.